فخر الدين الرازي

161

تفسير الرازي

ثم قال تعالى : * ( ومن دخله كان آمناً ) * ولهذه الآية نظائر : منها قوله تعالى : * ( وإذ جعلنا البيت مثابة للناس وأمناً ) * ( البقرة : 125 ) وقوله * ( أولم يروا أنا جعلنا حرماً آمناً ) * ( العنكبوت : 67 ) وقال إبراهيم * ( رب اجعل هذا بلداً آمناً ) * ( إبراهيم : 35 ) وقال تعالى : * ( أطعمهم من جوع وآمنهم من خوف ) * ( قريش : 4 ) قال أبو بكر الرازي : لما كانت الآيات المذكورة عقيب قوله * ( إن أول بيت وضع للناس ) * موجودة في الحرم ثم قال : * ( ومن دخله كان آمناً ) * وجب أن يكون مراده جميع الحرم ، وأجمعوا على أنه لو قتل في الحرم فإنه يستوفي القصاص منه في الحرم وأجمعوا على أن الحرم لا يفيد الأمان فيما سوى النفس ، إنما الخلاف فيما إذا وجب القصاص عليه خارج الحرم فالتجأ إلى الحرم فهل يستوفي منه القصاص في الحرم ؟ قال الشافعي : يستوفي ، وقال أبو حنيفة : لا يستوفي ، بل يمنع منه الطعام والشراب والبيع والشراء والكلام حتى يخرج ، ثم يستوفي منه القصاص ، والكلام في هذه المسألة قد تقدم في تفسير قوله * ( وإذ جعلنا البيت مثابة للناس وأمناً ) * واحتج أبو حنيفة رضي الله عنه بهذه الآية ، فقال : ظاهر الآية الاخبار عن كونه آمناً ، ولكن لا يمكن حمله عليه إذ قد لا يصير آمناً فيقع الخلف في الخبر ، فوجب حمله على الأمر ترك العمل به في الجنايات التي دون النفس ، لأن الضرر فيها أخف من الضرر في القتل ، وفيما إذا وجب عليه القصاص لجناية أتى بها في الحرم ، لأنه هو الذي هتك حرمة الحرم ، فيبقى في محل الخلاف على مقتضى ظاهر الآية . والجواب : أن قوله * ( كان آمناً ) * إثبات لمسمى الأمن ، ويكفي في العمل به إثبات الأمن من بعض الوجوه ، ونحن نقول به وبيانه من وجوه الأول : أن من دخله للنسك تقرباً إلى الله تعالى كان آمناً من النار يوم القيامة ، قال النبي عليه السلام : " من مات في أحد الحرمين بعث يوم القيامة آمناً " وقال أيضاً : " من صبر على حر مكة ساعة من نهار تباعدت عنه جهنم مسيرة مائتي عام " وقال : " من حج ولم يرفث ولم يفسق خرج من ذنوبه كيوم ولدته أمه " والثاني : يحتمل أن يكون المراد ما أودع الله في قلوب الخلق من الشفقة على كل من التجأ إليه ودفع المكروه عنه ، ولما كان الأمر واقعاً على هذا الوجه في الأكثر أخبر بوقوعه على هذا الوجه مطلقاً وهذا أولى مما قالوه لوجهين الأول : أنا على هذا التقدير لا نجعل الخبر قائماً مقام الأمر وهم جعلوه قائماً مقام الأمر والثاني : أنه تعالى إنما ذكر هذا لبيان فضيلة البيت وذلك إنما يحصل بشيء كان معلوماً للقوم حتى يصير ذلك حجة على فضيلة البيت ، فأما الحكم الذي بيّنه الله في شرع محمد عليه السلام فإنه لا يصير ذلك حجة على اليهود والنصارى في إثبات فضيلة الكعبة . الوجه الثالث : في تأويل الآية : أن المعنى من دخله عام عمرة القضاء مع النبي صلى الله عليه